السيد صدر الدين الصدر العاملي

169

المهدي ( ع )

غرضه بأسباب غيبيّة ، وتعدّ ممّا وراء الطبيعة ؛ لأنّ ذلك يستلزم بطلان الثواب والعقاب ، بل لغويّة إرسال الرسل والأنبياء . يشترك في ذلك الرسول والوصيّ ، فهو من شرائط المبلّغ رسولا كان أو إماما ، ولكن بينهما فرق ، وهو أنّ الرسول من حيث إنّه مؤسّس يجب عليه الابتداء بالدعوة والتبليغ بحسب المتعارف بخلاف الإمام ؛ لأنّ الحجّة قد تمّت على الناس بدعوة الرسول ، فوجب عليهم أن يبحثوا أن يسألوا ، ولا يجب على الإمام أن يتطلّبهم بالدّعوة . يجب على الناس أن يقصدوا الإمام ويسألوا عنه معالم دينه بعد حفظه ودفع العدوّ عنه كما وجب عليهم بالنسبة إلى الرسول ، فإذا خالفوا هذا التكليف وتركوه قائما بنفسه يخشى القتل ويخاف العدوّ من غير رادع ومانع جاز له الاعتزال والسكوت وترك وظيفة التبليغ والدعوة ، والمسؤوليّة في ذلك متوجّهة إلى الناس لا إلى الإمام ، وإلى ذلك أشار المحقّق الخواجة نصير الدين الطوسي طاب ثراه في كتابه « تجريد الاعتقاد » بقوله : الإمام لطف ، وتصرفه لطف آخر ، وعدمه منّا . « 1 » إذا عرفت ذلك فنقول يمكن أن يقال في فلسفة الغيبة وجوه : الأوّل : التأديب للشيعة ومجازاتهم ، بل ولغيرهم إنّ الأمّة التي فيها الرسول أو الإمام إذا لم تقم بواجب حقّه وعصت أو امره ولم تمتثل نواهيه ، وبالجملة لم تؤثّر فيها دعوته ، بل وتجاوزت في الحدّ حتّى صارت توذيه بكلّ وسيلة ، جاز له تركها والاعتزال عنها تأديبا وتنبيها ، فلعلها ترجع وتؤوب إلى رشدها ، وتطيع وتنقاد وتدرك فوائد وجود الرسول والإمام بين أظهرها مبلّغا هاديا ، ومرشدا داعيا ، ومن هذا الباب قوله تعالى : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ « 2 » الآية .

--> ( 1 ) . شرح تجريد الاعتقاد ، ص 285 ، طبعة مكتبة المصطفوي . ( 2 ) . مريم ( 19 ) الآية 48 .